هانى شنودة.. موسيقار سبق عصره وغيّر شكل الأغنية المصرية
لم يكن هانى شنودة مجرد ملحن أو موزع موسيقى، بل كان أحد أهم العقول التى أعادت تشكيل الأغنية المصرية الحديثة. حمل مشروعًا فنيًا سبق عصره، مزج فيه بين الدراسة الأكاديمية والجرأة فى التجريب، وبين روح الشرق وآلات وتكنيك الغرب، ليصنع لغة موسيقية جديدة ظلت حاضرة لأكثر من نصف قرن.
برحيله، أمس الأول، فقدت الموسيقى المصرية أحد أبرز مجدديها وصاحب البصمة التى صنعت ملامح جيل كامل من المطربين والموسيقيين. وفى مفارقة لافتة، غاب معظم نجوم الفن عن تشييع جنازته، بينما امتلأت صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعى بكلمات الرثاء والوفاء.
من طنطا إلى صناعة تاريخ جديد للموسيقى ولد هانى شنودة فى مدينة طنطا عام 1943، وتخرج فى كلية التربية الموسيقية، قبل أن يواصل دراسته بالمعهد العالى للموسيقى «الكونسرفتوار».
ومنذ بداياته، لم يكن يبحث عن النجاح التقليدى، بل كان يسعى إلى تقديم شكل جديد للموسيقى، فانضم إلى فرقة Les Petits chats التى كانت تضم عددًا كبيرًا من الموسيقيين، منهم الموسيقار عمر خيرت والفنان عزت أبوعوف، وكانت متخصصة فى الغناء والموسيقى الغربية، قبل أن يبدأ رحلته الخاصة التى غيرت شكل الأغنية المصرية.
وفى أواخر سبعينيات القرن الماضى، أسس فرقة المصريين، التى أحدثت نقلة نوعية فى الأغنية الشبابية، وقدمت أعمالًا لا تزال حاضرة فى وجدان الجمهور، مثل «ما تحسبوش يا بنات»، و«بحبك لا»، و«ماشية السنيورة»، و«بنات كتير»، لتصبح الفرقة علامة فارقة فى تاريخ الموسيقى المصرية.
صانع النجوم لم يكن هانى شنودة يكتفى بصناعة الألحان، بل امتلك عينًا وأذنًا قادرتين على اكتشاف المواهب وصقلها. كان أول من آمن بمحمد منير، وقدمه للجمهور فى ألبوم «علمونى عنيكى»، الذى شكل بداية رحلة الكينج، كما لعب دورًا مهمًا فى انطلاق عمرو دياب، إذ شارك فى أولى خطواته الفنية، قبل أن يصبح واحدًا من أكبر نجوم الغناء العربى، وامتد تأثيره إلى عدد كبير من المطربين، كما تعاون مع الفنان أحمد عدوية فى عدد من أبرز أعماله منها: «زحمة يا دنيا زحمة»، مقدمًا معالجة موسيقية مختلفة للأغنية الشعبية. ولم يقتصر اكتشافه للمواهب الجديدة على بداياته الفنية بل استمر معه الأمر حتى فى حفلاته الأخيرة التى حرص فيها على تقديم أصوات شابة.
الموسيقى بطلة الفيلم لم تقتصر بصمة هانى شنودة على الأغنية، بل امتدت إلى السينما، فوضع الموسيقى التصويرية لعشرات الأفلام التى تحولت ألحانها إلى جزء من ذاكرة الجمهور، من بينها «المشبوه، الحريف، غريب فى بيتى، وشمس الزناتى»، وغيرها من الأعمال التى لعبت فيها الموسيقى دورًا دراميًا لا يقل أهمية عن الصورة.
وكان يؤمن دائمًا بأن الموسيقى التصويرية لا تكتب لترافق المشهد، بل لتجيب عن الأسئلة التى يطرحها العمل الفنى، لذلك جاءت ألحانه جزءًا من السرد الدرامى، وليست مجرد خلفية موسيقية.
ولم تتوقف رحلته عند حدود المحلية، إذ عادت مقطوعته الشهيرة «لونجا 79» إلى الواجهة عالميًا بعد استخدامها فى المسلسل الأمريكى «Ramy»، لتصل موسيقاه إلى جمهور جديد بعد عقود من تأليفها.
أقرب الخواجات لينا من أكثر الحكايات التى كان يرويها بفخر، قصة تعاونه مع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب. فقد رشحته الفنانة نجاة الصغيرة لإعادة توزيع عدد من أغنيات عبدالوهاب، إلا أنه تردد فى البداية، قبل أن يوافق على لقاء جمعهما فى منزل موسيقار الأجيال. وخلال اللقاء، طلب عبدالوهاب منه عزف أحد ألحانه مرات متتالية، قبل أن يبدى إعجابه بطريقة تفكيره الموسيقى، ويصفه بالعبارة التى ظلت الأقرب إلى قلبه: «أقرب الخواجات لينا»، بعدما لاحظ أنه يقدم معالجة جديدة فى كل مرة يعزف فيها اللحن نفسه، وهو ما اعتبره دليلًا على امتلاكه عقلًا موسيقيًا مبدعًا لا يكتفى بالحفظ أو التكرار.
وداع على مواقع التواصل رغم الغياب اللافت لمعظم نجوم الفن عن جنازته، حرص عدد كبير منهم على نعيه عبر صفحاتهم الرسمية، حيث استعاد الفنان محمد منير رحلة عمر جمعته بالموسيقار الراحل، وكتب: «فقدت أخى وصديقى ورفيق مشوار طويل»، مؤكدًا أن شنودة كان شريكًا فى تقديم شكل جديد للأغنية المصرية، من خلال أعمال، مثل: «علمونى عنيكى، أمانة يا بحر، بنتولد وغريبة»، وأن رحلتهما كانت مليئة بالإبداع والتجديد.
كما نعاه الفنان عمرو دياب، قائلًا: «خالص التعازى لأسرة الموسيقار الكبير هانى شنودة.. ترك إرثًا فنيًا عظيمًا، وأسهم فى تشكيل وجدان أجيال كاملة من خلال موسيقاه وإبداعه، وستبقى أعماله خالدة، وسيظل اسمه حاضرًا فى تاريخ الموسيقى العربية».
ونعاه رفيق بداياته الفنية الموسيقار عمر خيرت حيث كتب: «وداعًا أيها الموسيقار الكبير.. ستبقى ذكراك فى وجداننا».
ورثاه أيضًا عدد كبير من الفنانين والموسيقيين، الذين أجمعوا على أن الموسيقى المصرية فقدت أحد أهم صناعها وأكثرهم تأثيرًا، وأن ما تركه من ألحان وتجارب سيظل حاضرًا فى ذاكرة الفن العربى.

