الزمان
حمدي فتحي أساسيًا مع الوكرة أمام السيلية في كأس قطر وزير الأوقاف: نعمل على إعداد كوادر علمية وإدارية شديدة التميز تستطيع إحداث تقدم كبير والارتقاء بالعمل مستشفى العريش العام ينجح في إعادة بناء 6 سم من عظمة الساق لمريض محافظ البحيرة توجه بسرعة الانتهاء من الأعمال المتبقية في رصف طريق علي ماهر الداخلية تكشف تفاصيل فيديو تعدى أخصائية تخاطب على طفل من ذوي الاحتياجات بالقليوبية 8 ميداليات حصيلة منتخب الريشة الطائرة الهوائية ببطولة أفريقيا في أوغندا التنمية المحلية والبيئة تتابع مستوى النظافة بأحياء حلوان والمعصرة وتوجه برفع تراكمات القمامة اليمن.. استهداف حوثيين بالبيضاء وإسقاط مسيرة قرب باب المندب قائد القوات المسلحة الإندونيسية يدعو إلى تعاون شامل لمواجهة التحديات الأمنية في إقليم بابوا قوات الاحتلال تعتقل والد وشقيق شهيد فلسطيني من بيت عزاء أربعة عازفي بيانو يجتمعون في حفل ورشة متقدمة بالعاصمة الإدارية.. وتكريم عمر خيرت بالختام إيزاك يقود ليفربول لفوز صعب على بورنموث
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرإلهام شرشر

منوعات

طريق متّسع لشخص وحيد.. حكايات أسامة علام عن الغربة والونس وما تفعله المدن بالإنسان

من الصعب قراءة كتاب «طريق متسع لشخص وحيد»، الصادر عن دار الشروق، بوصفه كتاب رحلات بالمعنى التقليدي فحسب؛ فعلى الرغم من أن أسامة علام يصطحب قارئه إلى اثنتي عشرة مدينة، متنقلًا بين نيويورك ونيوجيرسي ومونتريال وتولوز والقاهرة وبلاد الشام وسان جون وميامي وشيكاغو وغيرها، فإن المدن هنا تتحول إلى مساحات يلتقي فيها علام بالبشر وحكاياتهم، ويصبح التنقل بينها وسيلة للاقتراب من الإنسان في لحظات ضعفه ووحدته واحتياجه إلى الألفة، إذ يبحث في كل مكان عن ذلك الكائن الذي قد يجد نفسه وحيدًا وسط ملايين البشر، ثم تعترض طريقه لحظة عابرة تمنحه شيئًا من الونس.

ومن هنا تتجاور حكايات «الرسام التشيلي، وأنا وسلفادور دالي ومسوخ كاتدرائية نوتردام، وحجرة الفراشات، وبائعة الأزهار التي تعرف الحقيقة»، وغيرها من القصص والتفاصيل الصغيرة التي تمنح الغربة وجهًا أكثر ألفة، وتكشف كيف يمكن لتفصيلة عابرة أو علاقة غير متوقعة أن تخفف المسافة بين الإنسان والعالم من حوله.

ومنذ الإهداء إلى الدكتور محمد المخزنجي: «أرجو أن تسامحني على كل سنوات الغياب.. وأرجو أن أسامح نفسي»، يصبح الغياب أحد المفاتيح التي يمكن من خلالها قراءة الكتاب، فالرحيل عند علام ليس انتقالًا جغرافيًا فحسب، وإنما غياب عن أشخاص وأماكن ونسخ سابقة من الذات، ومحاولة مستمرة لاكتشاف ما الذي يبقى من الإنسان حين يبتعد عن كل ما يعرفه.

وفي مقدمته للكتاب، يضع الدكتور محمد المنسي قنديل يده على جوهر التجربة الإبداعية لأسامة علام قائلًا: «تتجلى موهبته في استنطاق كل مَن يقابلهم ويُحوّلهم جميعًا إلى حكايات صغيرة أشبه بالأيقونات، تتجلى فيها موهبة الكاتب وقدرته على مزج الواقع بالخيال، يرسم فيها صورًا فنية فائقة الجودة، ترتقي لجودة الشعر، أشبه بطقوس آسرة، يُحوّل البشر الذين يقابلهم إلى جزء من أسطورة المدينة ويضع على رؤوسهم هالات من الخيال، وعلينا أن نصدق كل ما يطرحه من رموز، علينا أن نصدق أن هناك مخلوقات ضئيلة لا تكاد تُرى تعيش معنا في المنزل نفسه، وأن الأفيال تستجيب للغناء ونمارس الاحتضان، وأن كاتبًا عجوزًا يحقق أمنيته ويتحول إلى طائر نورس، ونستمع معه إلى كورال راهبات كنيسة نوتردام وهن يُغنين بأصوات ملائكية، ونرقص معه في المصنع المهجور عندما تدبّ الحياة في الدُمى، ونعقد مثله صداقة مع فأر المكتبة... نفحات لا تتوقف من السحر تنبعث من كل حكاية، مرحة وأسيرة ومُعبّرة عن بؤس الرحالة»، وهذه ربما هي أفضل طريقة لفهم الكتاب؛ أسامة علام لا يكتب عن المدن بقدر ما يكتب عما تفعله المدن بالإنسان.

ولذلك يبدو عنوان «طريق متسع لشخص وحيد» مفارقة تختصر روح الكتاب؛ فالطريق واسع، والمدن كثيرة، والوجوه لا تنتهي، ومع ذلك يظل الشخص الذي يمشي بينها وحيدًا. غير أن الوحدة هنا لا تتحول إلى حالة مغلقة؛ ففي كل مرة يفتح الراوي نافذة صغيرة للخروج منها: «مكالمة لذيذة، صداقة عابرة، حيوان، كتاب، أغنية، امرأة، طفل، أو حكاية لا يعرف القارئ مطلقًا هل حدثت فعلًا أم أن الخيال تدخل لينقذها». ومن هنا تتجلى واحدة من أبرز سمات كتابة أسامة علام؛ إذ تنفتح الأشياء اليومية على احتمالات عجائبية، فيما يظل العجائبي نفسه متصلًا بحقيقة إنسانية شديدة البساطة.

وتصبح هذه الفكرة أكثر وضوحًا في قصة «قلب بشري»، أذ يبدأ الأمر من اكتشاف عبثي وصادم: قلب بشري ينبض ملقى بجوار عجلة السيارة، الطبيب البيطري، الذي يعرف قلوب الحيوانات بحكم عمله، يحمل القلب إلى شقته ويضعه في مزهرية، محاولًا أن يفهم كيف يمكن لقلب حي أن يوجد منفصلًا عن صاحبه، ومع امتداد القصة يتكشف كيف أن القلب الملقى خارج الجسد يتحول إلى صورة للراوي نفسه؛ رجل يعيش وحده، الاكتئاب هو صديقه الأكثر وفاء، وعندما يجد قلبًا بشريًا حيًا في الشارع، يبدو كأنه عثر ماديًا على الشيء الذي كان يشعر بفقدانه داخليًا.

في «مصنع الدمى العجيب» يأخذ الخيال مسارًا أكثر مرحًا وألمًا؛ فالبطل يجد نفسه في مصنع قديم، أمام دمى صغيرة مبتسمة يُطلب منه إخراجها من علبها وإتلاف الصناديق،غير أن الدمى تستدعي بداخله صورة ابنه يوسف، فيختار إحداها ويكتب على علبتها: «إلى أجمل طفل بالعالم».

وحين يستيقظ بعد نومه في المصنع، يجد الدمى الصغيرة تتحرك وتلهو حوله، فتغدو غرابتها مصدرًا للطمأنينة؛ إذ تدفعه ضحكاتها إلى السخرية من اكتئابه ووحدته في بلد غريب، وهكذا تتحول الدمى إلى صورة للطفولة التي تركها وراءه، ويمنح الخيال حنينه جسدًا يراه ويتعامل معه، فتغدو ليلة الوحدة أقل قسوة.

وفي القصة التي تحمل عنوان: «صورة قديمة من سوق البراغيث» ينطلق أسامة علام من ولع الرواي بالأشياء القديمة ليبني حكاية طريفة عن الوحدة والذكريات؛ فشراء صورة لزوجين أمريكيين من سوق لبيع الأشياء المستعملة، يفتح له بابًا إلى أحلام تتكرر فيها تفاصيل حياتهما، حتى يتحول الزوجان من شخصين في صورة صامتة إلى رفيقين يتدخلان في حياته وينتقدان اختياراته، و تكشف المفارقة في النهاية أن الصورة تخص والدي البائع، وأن تدخلهما في حياة الآخرين استمر حتى بعد موتهما، وهكذا يمنح علام الأشياء القديمة حياة خفية، ويحول ذكرى عابرة اشتراها بعشرين دولارًا إلى حكاية عن الذكريات التي قد تتجاوز أصحابها وتواصل حضورها في حياة الآخرين.

أما في في قصة «مكالمات منتصف الليل اللذيذة» يبدأ صاحب رواية «حامل مفتاح المدينة»، قصته من معاناة البحث عن شقة نظيفة في نيويورك، لا تسكنها الصراصير والفئران كمعظم الشقق التي زارها. وحين يعثر على شقة صغيرة ونظيفة، يلفت انتباهه طلب مالكيها أن يحافظ على علاقة جيدة بجيرانه، رغم أن الدور الذي يسكنه لا يضم سوى شقته! وسرعان ما يفهم سر الوصية حين يتلقى مكالمات منتصف الليل من سوزي وجدها، جارَين صغيرين ربما أصغر من حجم حبة عنب، لا يستطيع رؤيتهما، لكنهما يصبحان رفيقي وحدته.

تتحول المكالمات مع الوقت إلى صداقة حقيقية تمنح بطلنا الطبيب الألفة التي افتقدها في المدينة، وتساعده على الاقتراب من نفسه، وعندما يحين موعد رحيله، تغيب سوزي للمرة الأولى، ثم يكتشف باقة أزهار صغيرة جدًا وبجوارها ورقة مكتوب عليها بخط متناهٍ في الصغر «مع السلامة يا صديقي الطيب. سأفتقدك وسيفتقدك جدي العزيز»، فيخرج إلى شوارع نيويورك شاعرًا بأنه لم يكن وحيدًا قط.

ويصطحبنا صاحب «كم مرة سنبيع القمر في قصة «أغنية لكائن وحيد» من حكاية تنطلق من كذبة صغيرة يقولها الراوي لطفلة خائفة من الحقن، حين يخبرها بأنه طبيب أفيال، لكن الكذبة تعود إليه بصورة غير متوقعة، إذ يصل إلى فيلة السيرك «بانبي» التي تعاني آثار الأسر والضغط النفسي، بعدما صدق جد الطفلة حكايته واستدعاه لعلاجها تحت تهديد السلاح.

أمام الفيلة المقيدة، يكتشف الراوي تشابهًا عميقًا بين مصيرها ومصيره؛ كلاهما وحيد في أرض ليست أرضه، ويؤدي دورًا فرضته عليه الحياة، يغني لها عن غربته وحيرته، فتستجيب له وتتوقف عن حركتها المضطربة، قبل أن تقترب منه وتحتضنه بخرطومها. هكذا تتحول الأغنية إلى لغة مشتركة بين كائنين جمعتهما الوحدة، ويصبح الخيال الذي بدأ كذبة عابرة طريقًا إلى لحظة نادرة من التفاهم.

click here click here click here nawy nawy nawy